لبنان يتّجه لـ «مكاسرة سياسية» فوق حُطام بيروت

بدأ «بيروتشيما» يُخْرِجُ كل الجمر السياسي الكامن منذ زلزال 2005 (اغتيال الرئيس رفيق الحريري) إلى فوق رماد بيروت التي بدا وكأنها زُجّت في 4 أغسطس في محرقة مَحَتْ قسماً كبيراً من معالمها وحوّلتها مدينةً للقبور المفتوحة والقلوب المفجوعة والأحلام المكسورة.

وفي اليوم الثالث على الحمم التي تطايرتْ من مرفأ بيروت الذي «اختفى» لتصبح العاصمة اللبنانية للمرة الأولى في تاريخها بلا مرفأ والبلاد كأنها بلا عاصمةٍ أيضاً، انشدّت الأنظارُ إلى مساريْن متوازييْن:

  • الأول استمرار رفْع الأنقاض في بيروت وأحيائها المدمّرة والبحث عن عشرات المفقودين في البحر والبرّ وانتشال المزيد من الضحايا الذين تجاوز عددهم 145 وأكثر من 5 آلاف جريح، وتضرُّر كامل أو جزئي لمناطق بأسرها بات نحو 300 ألف من سكانها بلا مأوى، في وقت تتهافت المساعدات العربية والدولية عبر جسور جوية مفتوحة تحمل مواد طبية وغذائية ومستشفيات ميدانية بما يبلْسم ما أمكن من جراح عاصمةٍ «سُفك دمها» في ظل أخطر أزمة مالية – اقتصادية تصيبها وجاء «إعصارُ دمارِ» 4 أغسطس ليؤجج عصفَها الذي تعاظم مع تكشير فيروس كورونا المستجد عن أنيابه في الأسبوعين الأخيرين حين حطّم أرقاماً قياسية في عدد الإصابات التي حجب دويُّها في اليومين الماضييْن «هدير» نكبة العاصمة.
    وفيما كان لبنان الشعبي مأخوذاً بطوفان الفواجع وصورها المروّعة التي لم تسترح بعد والتي ازدادت «شحنات» المأسوية فيها مع توالي تشييع الضحايا، ووراء كل منهم ألف قصة وغَصة، بقي لبنان الرسمي أسير الأداء السلحفاتي إزاء مبادراتٍ مطلوبة لمحاكاة هول «الحدَث الهيروشيمي» وإن كانت تعترضها واقعياً في جانب منها أزمة الثقة بين السلطة والناس وعجز الحكومة المكبّلة بالأزمة المالية وبالانقسام السياسي الداخلي وبالعزلة العربية والدولية التي أخذت «استراحة إنسانية» بعد تفجير المرفأ الذي أعقبه إعلان حال الطوارئ في بيروت لمدة أسبوعين قابلة للتجديد تتولّى خلالها السلطة العسكرية العليا مسؤولية الحفاظ على الأمن بعد أن توضع تحت تصرفها كل القوى المسلّحة.
  • والثاني الانفجار السياسي الذي بدأ يتطاير من فوق حطام بيروت المهشَّمة، بعدما بدأ عنوان التحقيق الدولي في «جريمة المرفأ» من القوى المعارضة للائتلاف الحاكم ينطوي على تشكيكٍ واضح في سيناريو «الخطأ البشري» الذي أشعل الـ 2750 طناً من نيترات الأمونيوم و«الخطأ الإداري» بالتأخّر والمماطلة في استمرار تخزين هذا «البركان النائم» في حرم المرفأ. وبعدما كان «تيار المستقبل» بقيادة الرئيس سعد الحريري، أول مَن أجرى الربط بين «قرار اغتيال بيروت» وجريمة اغتيال الرئيس الحريري في 14 فبراير 2005، في إيحاءٍ بأن الحادث نتيجة قرارٍ بقتْل العاصمة سواء بـ «ضغط الزناد» أو بجعل المرفأ فيها مستودعاً لتخزين «قنابل موقوتة»، جاء موقفان أمس لكلّ من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ليلاقيا الحريري في المطالبة بتحقيق دولي وليعكسا أن لبنان يتجه إلى مرحلةٍ من المكاسرة السياسية يستفيق معها خط الانقسام على ضفتيْ 8 و14 آذار الذي حَكَم الواقع اللبناني وحروبه الباردة والساخنة منذ العام 2005 وصولاً إلى إحكام «حزب الله» سيطرته من خلال حكومة «اللون الواحد» برئاسة حسان دياب. وشكّل كلام جنبلاط خصوصاً من التفجير – الرسالة في المرفأ، إشارة انطلاق مرحلةٍ جديدة من مواجهة السقف العالي إذ غمز من مسؤوليةٍ للمحور الإيراني وصولاً إلى وصْفه لبنان بأنه محتلّ والحكومة بأنها معادية والسلطة بأنها «عصابة حاكمة». وقال في مؤتمر صحافي: «صادف، وعلى مشارف ذكرى المئوية الأولى للبنان الكبير أن تدمر اللؤلؤة بيروت ومعها المرفأ اللذان كانا الرمزين الكبيرين آنذاك للبنان الكبير»، متسائلاً «صدفة أم مؤامرة؟ التحقيق سيكشف، ولكن ومن المعلومات الضئيلة التي أملكها أن هذه الكمية الهائلة التي أتت من الأمونيوم الى مرفأ بيروت وبقيت تقريباً 6 سنوات لا تنفجر حتى ولو كانت مواد متفجّرة بالأساس أو سامة، فإنها بحاجة إلى صاعق، وعندما نرى إحدى الصور أو نشاهد اليوتيوب الذي يعطينا صورة واضحة كيف أن مفرقعات معينة أو ذخائر معينة بدأت تنفجر تمهيداً للانفجار الكبير، إذاً هذا هو الصاعق».
    وأضاف: «نطالب بلجنة تحقيق دولية كي نكشف الحقيقة لأننا لا نثق بالعصابة الحاكمة».
    وطالب «بانتخابات نيابية جديدة على أساس قانون لا طائفي ودائرة فردية».
    وبعدما لفت إلى «أن دمرت بيروت اليوم في ظروف غامضة قد تكون تآمرية»، اعتبر أن «الانفجار هو رسالة للبنان»، موضحاً رداً على سؤال عن موجّه هذه الرسالة، «هناك محاور اليوم، عم تضحك بعبا، إسرائيل طبعا، ولكن البلد ساحة صراع، فربما محور الممانعة أيضاً، فهل هناك أوضح من ذلك»؟
    وفي موازاة ذلك كان جعجع يعلن أنه «في كل تاريخنا لم تتعرض بيروت لما تعرضت له في عهدهم»، وقال: «لا نعتقد أن القصة إهمال ولكن لن نحكم وننتظر التحقيقات ولكن من يصدق أنه تم نسيان 2750 طناً من المواد المتفجرة لمدة 6 سنوات؟ والاستنتاج الأولي أن المواد تركت في المرفأ لأن هناك مَن قد يحتاجها عن سابق تصور وتصميم من دون الاهتمام بالشعب والخطر»، ولافتاً الى أنه «انطلاقاً من انعدام ثقتنا بالسلطة الحاكمة التي تتدخل بالقضاء، نطالب بلجنة تحقيق دولية ترسلها الأمم المتحدة بأسرع وقت وإنشاء صندوق دولي لإغاثة المنطقة المنكوبة بإشراف الأمم المتحدة».
    وفي حين سيكون هذا الملف محور إطلالة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله اليوم، برز أول تعليق لرئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل على انفجار المرفأ، إذ غرّد «الحزن على الضحايا والدمار كبير، ولكن إرادة الحياة أقوى. المسؤولون عن الجريمة بالقصد أو بالإهمال لازم يتحاكموا. قدّام بيروت والعدالة كرمالها، ما في كبير ولا صغير، لا رئيس ولا وزير ولا مدير. بوحدتنا وبإرادة اللبنانيين المقيمين والمنتشرين وبدعم أصدقائنا منرجع نعمّر بيروت».

تجميد حسابات ومنع سفر مسؤولي مرفأ بيروت والجمارك

أظهرت وثيقة صادرة عن مصرف لبنان المركزي، أنه قرر تجميد حسابات رئيس ميناء بيروت ورئيس إدارة الجمارك اللبنانية وخمسة آخرين بعد انفجار الميناء.
وقرر المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات وبناء على التحقيقات منع سفر كل من شفيق مرعي ونايلا الحاج وبدري ضاهر وحسن قريطم ومصطفى فرشوخ وميشال نحول وفوزي البراكس.
وذكرت الوثيقة، الصادرة أمس، أن تجميد الحسابات ورفع السرية المصرفية عنها سينفذ على الحسابات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالمدير العام لمرفأ بيروت حسن قريطم والمدير العام لإدارة الجمارك الحالي بدري ضاهر والسابق شفيق مرعي، بالإضافة إلى نايلا الحاج، ميشال نحول، جورج ضاهر ونعمة البراكس، وحسن قريطم.

الراي