«الراي» ترصد ظواهر كـ… الفواجع.. لبنان عيْش من «قلة الموت»

زيزي اسطفان – الراي

  • اللبناني يحافظ على هاتفه كما يحافظ على عينيْه
  • كهربائيات تَراجَعَ بيعها وزاد استيرادها… والتهريب إلى سورية هو التفسير
  • «قهوة أهلاً وسهلاً» باتت رفاهية وسيجارةِ «نفِّخ على همومك» صارت… هَمّاً
    «… هوّر يا بو الهوارة دبّرها ومالها دبّارة، ناس بتمشي لقدّام وناس بترجع لَورا». قد تكون هذه الأغنية الفولكلورية الشعبية التي ردّدها اللبنانيون طويلاً ودبكوا على أنغامها خير تلخيص للحالة التي يعيشونها اليوم.

فالعالم يتقدّم نحو الأمام وهم يتقهقرون إلى الخلف بخُطى سريعة وبتخبط عشوائي ولا يعرفون أين ترسو بهم الأحوال.

إنه السير عكْس الزمن والعودة إلى الوراء، لا إلى الزمن الجميل الذي يحنّ إليه كل مَن عاش في لبنان وعرف أيام عزّه بل إلى زمن رديء في مقومات الحياة فيه ويترادف مع أسلوب العيش من قلّة الموت.

هو زمن يقول فيه اللبنانيون وداعاً للرفاهية وأساليبها ومرحباً بالعودة القسرية إلى التقشف والوسائل البدائية.

حين تُذكر كلمة رفاهية قد يخطر في البال نمط حياة مرهف رفيع كان اللبنانيون يعيشونه وينفقون عليه الكثير من أموالهم، ولكن في الحقيقة فإن الرفاهية التي يفتقدها شعب لبنان اليوم ليست السلمون والكافيار والجمبري وملابس البراندز المعروفة وحقائب اليد التي تحمل توقيع كبار المصممين، ولا هي رفاهية السيارات الفارهة واليخوت الفخمة والرحلات السياحية إلى أقطار العالم، بل إن مقومات الرفاهية التي يفتقدونها اليوم هي فنجان القهوة الصباحي، وحبة الكرز الحمراء من حمانا، ورسالة صباحية من حبيب أو ربما سندويش شاورما من محل شعبي معروف أو طبخة «محاشي» باللحم من يد ست الحبايب. يفتقدون أبسط الأمور التي لم يعد بإمكان غالبيتهم الحصول عليها وصارت بالنسبة إليهم رفاهية أجبروا على تركها رغماً عنهم.

كثيرة جداً هي الأمور التي تَراجَعَ استهلاكها في المجتمع اللبناني وغالبيتها من الأساسيات لا من الكماليات. فهل يمكن اليوم اعتبار أجهزة الهاتف الخلوي كماليات يمكن الاستغناء عنها؟ أو هل يمكن القول إن التكييف في ظل تغيير المناخ وارتفاع منسوب درجات الحرارة عالمياً رفاهية تخص الأغنياء فقط؟ أو هل يمكن اعتبار الفاكهة اللبنانية «لوكس» لا يقدر عليه إلا مَن يقبض بالدولار؟ وماذا عن سراويل الجينز والـ «تي شيرت» القطني؟ الأرقام التي توردها الشركة الدولية للمعلومات، عن تَراجُع نوعية حياة اللبنانيين وغياب الرفاهية التي اعتادوا عليها، صادمة ومقلقة.

الأمثلة كثيرة، نلمس بعضها لمس اليد في يومياتنا وزياراتنا إلى السوبرماركت والمتاجر على اختلافها، ونستقي البعض الآخَر مما تورده «الدولية للمعلومات» من أرقام.

ومَن يزُر مولات لبنان أو شوارعه التجارية الفاخرة التي كانت تعجّ بالزبائن يذهل للفراغ الذي يراه في محلاتها ومتاجرها ولبضائع «الرفاهية» المتكدسة فيها التي لم تعد تلقى مَن يشتريها.

حتى أن أسماء تجارية كبيرة تمثل براندات عالمية غادرت بيروت وأقفلت متاجرها فيه حارمة اللبنانيين من بقايا رفاهية صارت حلماً بالنسبة إليهم.

رفاهية صارت من الماضي

اختلف تعامل اللبنانيين مع مقومات الرفاهية التي عهدوها وتغيّرت عاداتهم تجاهها. فاليوم صار اللبناني يحافظ على هاتفه الخلوي كما يحافظ على عينيْه. وتفيد الأرقام بأن استيراد الهواتف الخليوية الذي وصل العام 2019 إلى 177 مليون دولار تراجع في 2020 إلى 93 مليون دولار، أي 47.5 في المئة.

واقتصرت أرقام الدراسة على العام الماضي الذي كان وضع الدولار فيه لا يزال مقبولاً، وكان الكثيرون من اللبنانيين لا يزالون يملكون في بيوتهم مبالغ بالعملة الصعبة أو قادرون على سحب جزء من أموالهم من المصارف، ولم يكن الدولار بعد قد وصل الى عتبات جنونية بحيث صار سعر أرخص هاتف خلوي أعلى من راتب موظف متوسط الحال في بلد لم يعد الحد الأدنى للأجور يساوي أكثر من 34 دولاراً (675 ألف ليرة فيما سعر الدولار في السوق الموازية يلامس 20 ألف ليرة).

والأمر ذاته ينطبق على شراء السيارات الجديدة التي شهدت في وقت من الأوقات ازدهاراً لا مثيل له، فصار كل بيت يملك عدداً من السيارات يوازي عدد أفراد الأسرة البالغين فيها، أولاً لأن اقتناء سيارة يُعتبر ضرورة وحاجة في ظل غياب النقل العام المشترك ووسائل النقل الحضري المتطورة مثل المترو أو القطار، وثانياً نظراً للتسهيلات الكبيرة التي كانت تقدمها المصارف وشركات السيارات للحصول على قروض. هذه الرفاهية التي كان البعض يعتبرها مُبالَغاً بها تراجعت اليوم وانخفضت نسبة شراء السيارات الجديدة نتيجة عدم القدرة على تأمين الدولار لشرائها أو المبالغ التي تعادله بالليرة اللبنانية، كما بفعل امتناع المصارف عن توفير قروض ميسرة لشراء السيارات.

وكان تَراجُع شراء السيارات الجديدة قد ازداد في 2020 وبلغ نسبة 72 في المئة، وفي الأشهر الأربعة الأولى من 2021 ومقارنة بالفترة ذاتها من 2020 تراجع بنسبة 63 في المئة، وفق «الدولية للمعلومات».

ويقول أحد أصحاب مكاتب تخليص البضائع في مرفأ بيروت «ثمة بضائع كثيرة تَراجَعَ استيرادها من التجار بعدما كانت تشكل عصب أرباحهم.

فالعطور مثلاً صارت ترفاً وباتت مقتصرة على بعض من يستطيعون دفع ثمنها، أما مستحضرات التجميل فصارت عند الكثيرات من الماضي أو صار لزاماً عليهن استعمال مستحضرات مجهولة المصدر كنّ يأنفن سابقاً حتى من مجرد النظر إليها. كما تراجع بشكل دراماتيكي استيراد المشروبات على أنواعها».

ويتابع: «الكثير من الأدوات الكهربائية تَراجَعَ بيْعُه مثل المكيّفات المخصصة للسوق اللبناني في حين أن استيرادها ازداد. وتفسير هذه المعضلة يعود الى تهريب كميات منها الى سورية».

ومن هنا قد تتفاوت الأرقام وتبدو بعض السلع وكأن استيرادها، لا يزال كما في الأعوام السابقة، لكن في الحقيقة يلعب التهريب الدور الأكبر في ارتفاع استيرادها فيما السوق المحلية تشهد تراجعاً كبيراً في استهلاك هذه السلع وهو الأمر الذي يؤكد عليه صغار التجار.

وداعاً لثمار البحر

حتى العادات الغذائية تغيّرت، وكل ما كان يعتبر رفاهية يكاد يختفي من الأسواق. فعلى سبيل المثال لا الحصر تراجع استهلاك ثمار البحر على أنواعها لا سيما الجمبري أو القريدس كثيراً بحسب الدولية للمعلومات بسبب ارتفاع سعره كونه من الأصناف المستوردة الغالية الثمن في الأصل. ووصل كيلو القريدس لما بين 150 إلى 300 ألف ليرة فانخفض استهلاكه بنسبة 74 في المئة.

حتى السمك الذي لم يكن يوماً رفاهية حقيقةً بل غذاء أساسي تراجع استهلاكه، وفق كلام الحاج عبدالله غزال، رئيس نقابة بيع الأسماك، فبعدما كان سوق السمك المركزي يبيع أسبوعياً بين 400 – 500 طن من الأسماك المحلية والمستوردة، تقلّص البيع مع ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مئة طن أسبوعياً. أما السلمون المستورد الذي كان أصلاً صنفاً مقتصراً على الفئات الميسورة، فكاد يختفي من الأسواق ليحل محله بديل محلي تتم تربيته في منطقة الهرمل البقاعية ويباع بأسعار أقل بكثير.

هذه الأصناف الغذائية والاستهلاكية «الفاخرة» تثير الجدل في أوساط بعض الاقتصاديين الذين يرون أن اللبنانيين كانوا يتنعمون برفاهية غير مستحقة ويعيشون فوق قدراتهم مستفيدين من مكاسب اقتصاد ريعي لم يتعبوا يوماً في جني أرباحه التي قُدمت لهم على طبق من فضة.

ومن هنا يدعونهم إلى وجوب التخلي عن هذه المظاهر والعودة كما كل الشعوب إلى «مد بساطهم على قدر رجليهم».

لكن البساط تَقَلَّصَ تحت أقدام اللبنانيين ولم يعد يتسع حتى لاحتياجاتهم اليومية فهل تُعتبر القهوة رفاهية؟ وهل بات على اللبناني الاقتصاد في شربها أو تقديمها لزواره بعدما كانت رمز الضيافة اللبنانية؟ يبدو أن الغالبية ستغير من عادتهم بعدما وصل سعر كيلو البن إلى مئة ألف ليرة، بحيث بات المواطن يحسب حساباً لكل فنجان ويفضل عليه ربطة خبز يطعم بها عائلته. وقد تراجعت كميات البنّ التي تم استيرادها في 2020 بنسبة 41.5 في المئة، ويبدو «أن الخير لقدام» بعد ارتفاع الأسعار في 2021.

حتى السجائر التي كانت فشة خلق الكثير من اللبنانيين أو مصدر متعة لهم، لم تعد اليوم تشكل ذلك «المتنفّس النفسي» عند البعض بل أصبحت عبئاً مادياً يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين إلى التخلي عنه رغم إرادتهم بعدما تضاعف سعر علبة الدخان أربع مرات تقريباً.

وتطول لائحة الكماليات التي صار اللبناني مدفوعاً قسراً للتخلي عنها، ولكن المشكلة ليست في الأصناف التي لا يزال الأغنياء قادرين على اقتنائها بل في مواد أساسية لم يعد المواطن العادي قادراً على تأمينها مثل اللحوم والخضار والفاكهة وقطع السيارات، وحتى سراويل الجينز والملابس اليومية، خصوصاً مع تقدير نسبة الفقر، بـ 55 في المئة من المقيمين أي نحو 2.365 مليون لبناني، منهم نسبة 25 في المئة دون خط الفقر، أي 1.075 مليون، وهؤلاء لا يكفي دخلهم لتوفير الكميات الكافية والصحية من الغذاء، و30 في المئة منهم فوق خط الفقر، أي 1.290 مليون، وهؤلاء يكفي دخلهم بالكاد لتوفير الغداء ولكنهم يعانون من ظروف معيشية صعبة، وقد ينحدرون إلى ما دون خط الفقر إذا استمرت العملة الوطنية في انحدارها.

هذا الخبر «الراي» ترصد ظواهر كـ… الفواجع.. لبنان عيْش من «قلة الموت» ظهر أولاً في Cedar News.